اجتماع عام

مفهوم البناء الاجتماعي social structure

يعتبر مفهوم ” البناء الاجتماعي ” من المفاهيم الأساسية في الدراسات الاجتماعية الحديثة، وظهرت أهميته نتيجة اتجاه كثير من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا إلي الدراسات الحقلية التي يقومون بها في مجتمعات معينة بالذات كوسيلة لفهم المجتمع الإنساني في عمومه.

 حيث لاحظ هؤلاء العلماء أثناء دراستهم لتلك المجتمعات التفاعل القائم بين مختلف نظمها الاجتماعية علي أساس أن الحياة الاجتماعية في أي مجتمع عبارة عن نسيج متشابك من العلاقات المتداخلة، ومن هنا أخذ مفهوم البناء الاجتماعي يفرض نفسه بشكل واضح علي معظم الدراسات الحديثة بعد أن كان مجرد فكرة غامضة تراود عقول بعض الكتاب في القرن الثامن عشر. 

ويرجع الفضل في انتشار مفهوم البناء الاجتماعي إلي علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية خاصة في بريطانيا، ويرجع ذلك إلي طبيعة الأنثروبولوجيا ذاتها كعلم وطبيعة المجتمعات التي يهتم العلماء بدراستها، فقد كانت الأنثروبولوجيا في أول نشأتها تهتم بدراسة أنماط الحياة البسيطة الساذجة في المجتمعات المختلفة وكذلك دراسة المجتمعات المحلية المحدودة المساحة والسكان كالقرية والقبيلة حتي تطورت الأبحاث الأنثروبولوجيا ووسع العلم من ميدان دراساته حتي شملت أنماط الحياة الأكثر تعقداً. 

ودراسة البناء الاجتماعي هي في الواقع دراسة العلاقات القائمة بين الناس في المجتمع بالإضافة إلي دراسة العادات والتقاليد الاجتماعية وما إليها من طرائق السلوك وأفعال الناس في حياتهم اليومية، ويتخذ الباحث من النظم الاجتماعية Social institutions كالنظام الاقتصادي والنظام السياسي والنظام القرابي والديني الخ.

فالعناصر البسيطة الأولية التي يبني عليها تحليلاته للعلاقات الاجتماعية ومن هنا كانت الدراسات البنائية تقوم علي أساس من التجريد معتمدة في كل تحليلاتها علي التصورات الاجتماعية أي أنها تميل إلي تفسير الظواهر والعلاقات والنظم الاجتماعية في ألفاظ وحدود اجتماعية خالصة، وهذا يعني التركيز علي معرفة كيفية عمل النظام الاجتماعي أي وظيفته في البناء الاجتماعي وما يقوم بين هذه النظم من تساند وظيفي وهذا في مجمله هو مضمون البناء الاجتماعي.

مفهوم البناء الاجتماعي لدي بعض علماء الاجتماع :

لقد ساهم كل من ” راد كليف براون ” Radcliffe Brown ” و” إيفانز بريتشارد ” Evans Pritchard و ” روبرت ردفليد ” Robert Redfield وغيرهم، في وضع تحديد دقيق لمفهوم البناء الاجتماعي علي أنه ” مجموعة ثابتة من العلاقات تقوم بين الوحدات والزمر الاجتماعية التي تتمتع عادة بدرجة عالية من القدرة علي البقاء والاستمرار في الوجد”.

أو هو “نسق متكامل من الأبنية المنفصلة المتمايزة التي تقوم بينها رغم تمايزها وانفصالها علاقات متبادلة مثل البناء الاقتصادي والبناء السياسي والبناء القرابي، ويضم كل من هذه الأبنية الجزئية عددا من النظم الاجتماعية التي تؤلف فيما بينها وحدة متماسكة متكاملة.

ولن يتيسر فهم البناء الاجتماعي إلا بدراسة هذه الأبنية الجزئية التي تتداخل وتتفاعل بعضها مع بعض، إذا ليس ثمة شك في وجود علاقات متبادلة بين النسق الأيكولوجي والنسق الاقتصادي مثلاً علي اعتبار أن الحياة الاقتصادية كلها تتأثر وتتحدد بالشروط والظروف الأيكولوجية التي تحيط بالمجتمع [1].

أي أن البناء الاجتماعي يتضمن مبدأين أساسيين ومتكاملين هما :

  • مبدأ الاستمرار في الزمن سواء علي الجماعات أو العلاقات الاجتماعية. 
  • مبدأ العلاقات الثابتة المستمرة التي بين الجماعات المتماسكة. 

وقد يستخدم مفهوم ” البناء الاجتماعي ” استخدامات مختلفة ومتفاوتة في بعض الآحيان لدي علماء الاجتماع أنفسهم مما يطلق عليه بعض علماء الاجتماع مصطلح ” بناء اجتماعي” يسميه آخرون ” نسقاً اجتماعياً ” Social system

ويلاحظ أن المصطلحين يتضمنان الفكرة القائلة بـن التفاعل الاجتماعي يقوم علي مجموعة مركبة من الأنماط التي تتميز بثبات ودوام، وأحياناً يطلق بعض العلماء علي نفس الفكرة مصطلح ” التنظيم الاجتماعي ” Social Organization الذي يعني في جانب منه معيشة الناس مجتمعين وما يترتب علي ذلك من تنظيم يؤدي إلي استمرار الحياة الاجتماعية، وقد يعني من جانب آخر أكثر خصوصية ما يطلق عليه الآن ” التنظيم الرسمي ” أو ” التنظيم البيروقراطي “

الظاهرة الاجتماعية

تعتبر دراسة الظاهرة الاجتماعية والتعرف علي خصائصها من أهم الأسس التي تستند إليها الدراسة في علم الاجتماع

حيث أن دراسة المجتمع تكون عن طريق دراسة الظواهر الاجتماعية التي تمثل الوحدة البنائية التي ينقسم إليها موضوع علم الاجتماع مثلما ينقسم موضوع كل علم إلي ظواهره. 

وتتميز الظاهرة الاجتماعية بعدد من السمات لعل من أهمها ما يلي [2]:

  • إن الظاهرة الاجتماعية إنسانية أي أن الظواهر الاجتماعية لا توجد إلا بين الناس فقد توجد حيوانات وطيور وأسماك وحشرات تعيش في جماعات ولكنها لا تدخل في موضوع علم الاجتماع. 
  • إن الظاهرة الاجتماعية عامة أي أنها موجودة لدي كل أفراد المجتمع أو أغلبهم مثل اللغة أو الدين أو التقاليد أو الزي أو الحرفة.
  • إن الظاهرة الاجتماعية ذات ضغط أي أن للظاهرة الاجتماعية إلزاما يجعل الأفراد يخضعون له ولا يرضون الخروج عنها. 
  • إن الظاهرة الاجتماعية قاهرة : أي أن من يخرج علي حدود الظاهرة الاجتماعية يتعرض لعقاب اجتماعي يتناسب مع الفعل الذي قام به ويتراوح هذا العقاب بين اللوم الخفيف أو السخرية وبين السجن أو الإعدام. 
  • قوالب للتفكير والسلوك والعمل، أي أن كل ظاهرة اجتماعية عبارة عن نموذج من الشروط الاجتماعية التي يضعها المجتمع لكي ينطبع الإفراد بطابعها فنشأوا منذ الطفولة وقد شبوا وفق أنماط معينة من السلوك هي ما نسميها بالقوالب الاجتماعية ويختص كل منها بناحية من نواحي المجتمع فأحدها نسميه اللغة والآخر نسميه الزي والثالث نسميه الآداب الاجتماعية ورابع للأخلاق وخامس لسلوك التعامل وهكذا ينشأ كل فرد وقد انطبع بطابع المجتمع في كل مظاهر الحياة الاجتماعية في التفكير والسلوك والعمل والمعيشة. 
  • متشابكة أي أن الظواهر الاجتماعية مرتبطة ببعضها مثل النسيج المتشابك بحيث لا توجد أحدي الظواهر مستقلة عن غيرها ولذلك فإن أي تغيير في أي ظاهرة يؤثر في الظواهر الأخرى. 
  • أنها تاريخية : فالظاهرة الاجتماعية ليس وليدة اليوم وإنما هي ذات عمر ممتد في التاريخ فهي لا تأخذ صورة اجتماعية إلا إذا تعاقبت عليها عدة أجيال. 
  • أنها متطورة : أي أن الظاهر الاجتماعية لا تظل علي حالة واحدة طوال التاريخ بل أنها تتغير وتتخذ أشكالا مختلفة حسب التغييرات التي تحدث في الظواهر الاجتماعية الأخرى.
  • شيئية : أي أن الظاهرة الاجتماعية توجد متميزة عن الظواهر الأخرى الطبيعية والنفسية فتبدو الظاهرة الاجتماعية وكأنها شيء له كيان خاص بحيث يمكن تميزها بسهولة عن الظواهر الأخرى، وليس معني أن الظاهرة الاجتماعية مادية فإنها قد تكون عقلية أو روحية ولكنها مع ذلك تكون شيئا متميزاً بصفات خاصة محددة. 
  • تنشأ عن المجتمع كله ومعنى ذلك أن الظاهرة الاجتماعية هي نتاج المجتمع بجميع عناصره ولو أنها قد تنتمي إلي نظام معين من النظم الاجتماعية دون غيره أي أن الظاهرة قد تكون أخلاقية أو اقتصادية أو سياسية ومع ذلك فإن الذي يوجدها هو المجتمع كله لا النظام الذي تنتمي إليه وحده وذلك بسبب تشابك الظواهر الاجتماعية. 
  • أنها خارج شعور الأفراد أي أن الفرد في المجتمع لا ينشئ هذه الظاهرة وليس له فضل في وجودها وإنما يجدها قائمة في المجتمع كامله وهو يتقبلها بصورتها الموجودة بها رغم ضغطها عليه لأنه لا يشعر بهذا الضغط بل لا يقبل أن يرفع عنه هذا الضغط. 

المراجع

  1. علي، جمال سلامة. (2005). النظام السياسي والبناء الاجتماعي: بحث في مفهوم النظام السياسي عند علماء الاجتماع. مجلة البحوث الإدارية، مج 23, ع 4 ، 11 – 28.
  2. كاظم، ناظم جواد. (2019). الظاهرة الاجتماعية في القرآن. مجلة جامعة بابل – العلوم الانسانية، مج27, ع6 ، 156 – 162.
السابق
مهارات الوعي الصوتي لطفل الروضة
التالي
علاقة علم الاجتماع بالعلوم الإنسانية

اترك تعليقاً